أخبار

الوكالة الدولية للطاقة الذرية: العثور على آثار يورانيوم في سوريا بموقع مرتبط بمفاعل دير الزور


أعادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) الملف السوري إلى دائرة الضوء مجدداً، بعد أن أعلنت في تقرير سري موجه إلى الدول الأعضاء العثور على آثار يورانيوم ناتج عن معالجة كيميائية بشرية في أحد المواقع داخل سوريا، وذلك في إطار تحقيقها المستمر منذ سنوات بشأن المبنى الذي قصفته إسرائيل عام 2007 في منطقة دير الزور، والذي يُعتقد أنه كان مفاعلاً نووياً غير معلن.

هذا التطور الجديد، الذي جاء بعد أكثر من 15 عاماً من الجدل، يفتح الباب أمام تساؤلات عدة: هل كانت دمشق بالفعل بصدد بناء برنامج نووي سري؟ لماذا تجدد الاهتمام بهذا الملف الآن؟ وما هي التداعيات المحتملة على سوريا والمنطقة والعلاقات الدولية المتعلقة بالانتشار النووي؟


خلفية تاريخية: قصف إسرائيل لموقع دير الزور

في سبتمبر 2007، نفّذت إسرائيل عملية عسكرية سرية تحت اسم “البستان” (Operation Orchard)، استهدفت خلالها مبنى في منطقة الكُبَر بدير الزور شمال شرق سوريا. بعد القصف، التزمت إسرائيل الصمت لفترة قبل أن تؤكد لاحقاً أنها دمرت مفاعلاً نووياً سرياً قيد الإنشاء، اتهمت دمشق ببنائه بمساعدة من كوريا الشمالية.

من جانبها، نفت الحكومة السورية آنذاك هذه الادعاءات، مؤكدة أن الموقع المستهدف كان عبارة عن منشأة عسكرية تقليدية لا علاقة لها بالأنشطة النووية. ومع ذلك، شكّل القصف نقطة تحوّل كبيرة دفعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى فتح تحقيق رسمي.


موقف الوكالة الدولية للطاقة الذرية 2011

في عام 2011، وبعد عدة سنوات من التحقيقات والتفتيشات غير الكاملة نتيجة رفض دمشق التعاون الكامل، أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريراً مهماً جاء فيه أن المبنى المستهدف كان “على الأرجح مفاعلاً نووياً” كان ينبغي على سوريا الإعلان عنه بموجب التزاماتها الدولية.

ورغم هذه النتيجة، لم تتمكن الوكالة من الوصول إلى أدلة قاطعة بسبب عدم السماح لمفتشيها بدخول جميع المواقع ذات الصلة، إضافة إلى إزالة آثار مادية من موقع القصف. ومنذ ذلك الحين ظل الملف شبه مجمد، مع تجدد النقاش في أروقة الأمم المتحدة بين الحين والآخر.


التقرير الجديد 2025: العثور على جزيئات يورانيوم

التقرير الأخير الذي اطلعت عليه وكالة “رويترز” كشف أن الوكالة تمكنت خلال العام الماضي من الحصول على عينات بيئية من ثلاثة مواقع لم تسمها يعتقد أنها مرتبطة وظيفياً بموقع دير الزور. وقد أظهر الفحص المخبري لواحد من هذه المواقع وجود عدد كبير من جزيئات اليورانيوم الطبيعي.

الأمر الأكثر أهمية أن التحليل أكد أن هذا اليورانيوم “من أصل بشري”، أي أنه نتاج عملية معالجة كيميائية صناعية، وليس مجرد وجود طبيعي في التربة. هذه النتيجة تعطي وزناً أكبر للشبهات القديمة بشأن وجود برنامج نووي غير مُعلن في سوريا.


ردود الفعل المحتملة

  1. الموقف السوري

من المتوقع أن تستمر دمشق في نفي وجود أي برنامج نووي سري، خاصة في ظل الظروف السياسية والعسكرية التي تمر بها البلاد منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 2011 وما تلاها من تدخلات إقليمية ودولية. أي إقرار رسمي بوجود برنامج كهذا سيضع سوريا في مواجهة مباشرة مع مجلس الأمن الدولي وربما عقوبات إضافية.

  1. الموقف الإسرائيلي

إسرائيل بدورها ستعتبر نتائج التقرير تأكيداً لصحة موقفها منذ عام 2007، حين اتخذت قراراً استباقياً بتدمير ما وصفته بـ”مفاعل نووي سوري سري”. ومن المرجح أن تستخدم تل أبيب هذه النتائج لتعزيز خطابها الأمني أمام المجتمع الدولي، مبررة سياستها العسكرية الوقائية تجاه التهديدات الإقليمية.

  1. المجتمع الدولي

الولايات المتحدة والدول الأوروبية قد تدفع نحو إعادة فتح الملف في مجلس الأمن الدولي وربطه بملفات أوسع مثل انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط. أما روسيا، الحليف التقليدي لسوريا، فقد تتخذ موقفاً أكثر تحفظاً، مطالبةً بأدلة قاطعة قبل أي إدانة رسمية.


البعد الإقليمي: معادلة الانتشار النووي

إعادة فتح ملف سوريا النووي يعيد طرح السؤال الأوسع حول الانتشار النووي في الشرق الأوسط. فالمنطقة تضم في آن واحد:

إسرائيل: التي يُعتقد على نطاق واسع أنها تمتلك ترسانة نووية غير معلنة.

إيران: التي ما زال برنامجها النووي محل خلاف دولي.

دول عربية: بينها السعودية ومصر والإمارات التي بدأت أو أعلنت خططاً لتطوير برامج نووية سلمية.

وبالتالي فإن أي إثبات على وجود برنامج سوري سري في الماضي سيُستخدم حتماً في النقاشات الدولية حول ازدواجية المعايير وضرورة إقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط.


التحديات أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية

على الرغم من أهمية اكتشاف آثار اليورانيوم، إلا أن الوكالة تواجه عقبات كبيرة:

  1. نقص الوصول الميداني: الحكومة السورية لا تزال تقيّد حركة المفتشين.
  2. مرور الزمن: أكثر من 18 عاماً مرت على قصف الموقع، ما يصعب عملية جمع الأدلة المادية.
  3. الوضع الأمني: استمرار النزاع الداخلي في سوريا يحد من قدرة الوكالة على التحرك بحرية.
  4. التوازنات السياسية: انقسام مجلس الأمن يجعل من الصعب اتخاذ قرار موحد أو فرض إجراءات.

التداعيات على سوريا

إذا أثبتت التحقيقات أن سوريا بالفعل أخفت برنامجاً نووياً، فإن التداعيات قد تكون خطيرة:

عقوبات دولية جديدة تزيد من عزلة دمشق.

تآكل المصداقية أمام المجتمع الدولي فيما يتعلق بالتزاماتها بمعاهدة حظر الانتشار النووي (NPT).

مخاطر أمنية تتمثل في احتمال قيام إسرائيل أو دول أخرى بمزيد من العمليات العسكرية الاستباقية إذا شعرت بتهديد.

وفي المقابل، قد تستغل الحكومة السورية هذا الملف لتصوير نفسها ضحية “مؤامرة دولية” تهدف إلى الضغط عليها سياسياً، خاصة في ظل عودة النقاش حول إعادة تأهيل النظام السوري إقليمياً.


السيناريوهات المستقبلية

  1. تصعيد دولي: إذا ضغطت الولايات المتحدة وحلفاؤها، قد يعود الملف السوري النووي إلى طاولة مجلس الأمن بجدية أكبر.
  2. تسوية سياسية: ربما يتم ربط التحقيق النووي بعملية سياسية أشمل تتعلق بمستقبل سوريا.
  3. تجميد جديد: من المحتمل أن يظل الملف عالقاً دون حسم، كما حدث طوال العقد الماضي، بسبب تعقيدات السياسة الدولية.

الخلاصة

العثور على آثار يورانيوم “من أصل بشري” في سوريا ليس مجرد اكتشاف علمي، بل هو حدث سياسي وأمني بامتياز يعيد إلى الواجهة ملفاً ظل يراوح مكانه منذ 2007. وبينما تصر دمشق على نفي وجود أي برنامج نووي سري، فإن هذه النتائج تمنح مصداقية إضافية لرواية إسرائيل وتضع المجتمع الدولي أمام معضلة جديدة: كيف يمكن التعامل مع دولة متهمة بمحاولة امتلاك قدرات نووية في منطقة مشتعلة أصلاً بالتوترات؟

يبقى أن نجاح الوكالة الدولية للطاقة الذرية في التوصل إلى نتائج قاطعة يتوقف على مستوى التعاون السوري، وعلى إرادة القوى الكبرى في تجاوز الحسابات السياسية الضيقة لصالح الحفاظ على نظام دولي صارم لمنع الانتشار النووي.


لماذا يبتعد مودي عن ترامب ويقترب من بكين وموسكو؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *