اقتصاد

سد النهضة.. لماذا تتحول إثيوبيا إلى ملاذ جديد لشركات بتكوين الصينية؟


في السنوات الأخيرة، لم تعد العملات المشفرة مجرد ظاهرة رقمية عابرة، بل أصبحت صناعة كاملة قائمة بذاتها، تعتمد على استثمارات هائلة في البنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة. ومن بين أبرز الأنشطة المرتبطة بهذا القطاع، يبرز تعدين عملة “بتكوين”، والذي يقوم على تشغيل حواسيب فائقة القوة تُعرف باسم “الحفارات” لحل معادلات رياضية معقدة والتحقق من المعاملات على شبكة “بلوكتشين”. لكن ما يحدد الوجهة التي تستقر فيها هذه الشركات ليس فقط التكنولوجيا أو الأطر القانونية، بل في الأساس تكلفة الكهرباء وتوفرها.

هنا تدخل إثيوبيا إلى المشهد، لتصبح خلال فترة قصيرة وجهة استثنائية لشركات التعدين، خصوصًا الصينية منها، بفضل عاملين رئيسيين: سد النهضة العظيم الذي يوفر قدرة كهربائية ضخمة، والعلاقات الإستراتيجية مع بكين التي تمنح الشركات الصينية أفضلية على منافسيها العالميين.


من الصين إلى أديس أبابا: رحلة بحث عن الكهرباء الرخيصة

تاريخيًا، كانت الصين هي المركز الأول عالميًا لتعدين بتكوين، إذ استحوذت في بعض الفترات على أكثر من 70% من القدرة التعدينية عالميًا. لكن في عام 2021، أصدرت الحكومة الصينية حظرًا صارمًا على التعدين، ما دفع الشركات إلى الخروج بشكل مفاجئ.

انتقلت تلك الشركات إلى دول مثل كازاخستان وإيران وروسيا والولايات المتحدة (خصوصًا تكساس)، لكن المشكلات كانت تلاحقها في كل محطة: ضغوط سياسية، احتجاجات محلية بسبب استهلاك الكهرباء المفرط، أو ارتفاع تكاليف الطاقة. ومع مرور الوقت، بدأت الشركات تبحث عن ملاذ جديد يجمع بين وفرة الكهرباء، انخفاض التكاليف، ومرونة اللوائح الحكومية.

إثيوبيا، التي افتتحت مؤخرًا سد النهضة بقدرة تتجاوز 6 آلاف ميغاواط، بدت وكأنها الخيار الطبيعي. ورغم أن الحكومة الإثيوبية تحظر تداول العملات المشفرة داخليًا، فإنها سمحت بالتعدين منذ عام 2022 باعتباره مصدرًا مربحًا للعملات الأجنبية.


سد النهضة: من مشروع قومي إلى محرك اقتصادي عالمي

يمثل سد النهضة العظيم واحدًا من أضخم المشاريع في تاريخ إفريقيا، ليس فقط من حيث سعته التخزينية أو قدرته الكهربائية، بل أيضًا من حيث تأثيراته الاقتصادية والسياسية.

  • تبلغ تكلفة السد نحو 4.8 مليار دولار، وساهمت في بنائه شركات صينية عدة، ما عزز الارتباط بين بكين وأديس أبابا.
  • مع دخول وحداته المختلفة الخدمة، أصبح بإمكان إثيوبيا تصدير فائض الكهرباء إلى دول الجوار مثل السودان وجيبوتي وكينيا.
  • في المقابل، وجدت شركات التعدين الصينية فرصة لتوقيع عقود مباشرة مع شركة الكهرباء الحكومية الإثيوبية، وهو ما مكنها من الحصول على الطاقة بأسعار تفضيلية.

اليوم، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 21 شركة تعدين صينية أبرمت بالفعل عقودًا رسمية مع الحكومة الإثيوبية، لتتحول البلاد إلى مركز عالمي جديد لتعدين بتكوين.


لماذا تفضل الشركات الصينية إثيوبيا؟

هناك عدة أسباب تجعل إثيوبيا جاذبة بشكل خاص:

  1. تكلفة كهرباء منخفضة للغاية: وهو العامل الأهم، إذ يمكن أن تشكل الكهرباء ما يصل إلى 80% من التكلفة التشغيلية لشركات التعدين.
  2. مناخ ملائم: ارتفاع الهضبة الإثيوبية يوفر طقسًا باردًا نسبيًا مقارنة ببقية إفريقيا، ما يقلل تكاليف التبريد للحواسيب العملاقة.
  3. علاقات دبلوماسية قوية مع الصين: أديس أبابا هي مقر الاتحاد الإفريقي، وتعتبر شريكًا إستراتيجيًا لبكين ضمن مبادرة “الحزام والطريق”.
  4. مرونة تنظيمية: رغم الحظر على التداول، فإن الحكومة الإثيوبية تنظر إلى التعدين كوسيلة للحصول على عملات صعبة هي بأمس الحاجة إليها.

المخاطر والتحديات

لكن هذا النجاح لا يخلو من مخاطر، سواء بالنسبة للشركات أو لإثيوبيا نفسها:

  • أزمة كهرباء محلية: نحو نصف سكان إثيوبيا ما زالوا دون وصول ثابت للكهرباء. وجود نشاط شره للطاقة مثل التعدين قد يثير استياءً شعبيًا واسعًا.
  • تقلبات أسعار بتكوين: إذا هبطت الأسعار فجأة كما حدث في 2022، فإن عوائد التعدين قد لا تغطي تكاليف التشغيل.
  • مخاطر سياسية: سبق لدول مثل إيران وكازاخستان أن غيرت مواقفها بسرعة تجاه التعدين، وهو ما يهدد استقرار الاستثمارات.
  • الاعتماد على الصين: هيمنة الشركات الصينية قد تجعل إثيوبيا عرضة لضغوط جيوسياسية مرتبطة ببكين.

مقارنة مع الوجهات الأخرى

  • تكساس (الولايات المتحدة): تتمتع ببنية تحتية قوية وحرية تنظيمية، لكنها شهدت احتجاجات بسبب استهلاك الطاقة وارتفاع أسعار الكهرباء.
  • كازاخستان: استقطبت الكثير من الشركات بعد حظر الصين، لكنها فرضت لاحقًا ضرائب مشددة وأغلقت مزارع تعدين عديدة.
  • إيران: جذبت المعدنين بسبب دعم الحكومة، لكنها تراجعت بعد أزمة كهرباء شديدة.
  • روسيا: توفر الكهرباء الرخيصة في بعض المناطق، لكن العقوبات الاقتصادية تجعلها وجهة محفوفة بالمخاطر.

بالمقارنة، تبدو إثيوبيا اليوم الأكثر توازنًا بين المزايا والتحديات، خصوصًا بالنسبة للشركات الصينية التي تجد في علاقاتها مع الحكومة الإثيوبية مظلة حماية إضافية.


مستقبل التعدين في إفريقيا

تجربة إثيوبيا قد تفتح الباب أمام دول إفريقية أخرى تمتلك موارد كهربائية هائلة غير مستغلة بالكامل. دول مثل الكونغو الديمقراطية، أوغندا، وزامبيا، التي تعتمد على السدود الكهرومائية، قد تتحول إلى وجهات مستقبلية لصناعة التعدين.

لكن يبقى السؤال: هل تستطيع هذه الدول موازنة الاستفادة الاقتصادية من التعدين مع توفير الكهرباء لشعوبها؟


سد النهضة العظيم لم يكن مشروعًا مائيًا فقط، بل أصبح اليوم ركيزة لتحولات اقتصادية عابرة للحدود. ومع دخول شركات التعدين الصينية بقوة إلى إثيوبيا، فإن البلاد تتحول تدريجيًا إلى مركز عالمي جديد لتعدين بتكوين، في وقت يشهد فيه العالم صراعًا محمومًا على الطاقة والموارد الرقمية.

ومع ذلك، يظل المستقبل معلقًا على قدرة الحكومة الإثيوبية على إدارة هذه المعادلة الحساسة: جذب الاستثمارات الأجنبية في التعدين، دون التضحية بحقوق ملايين المواطنين في الحصول على الكهرباء. إذا نجحت في ذلك، فقد يكون لسد النهضة قصة جديدة تتجاوز المياه والسياسة، ليصبح جسرًا بين إفريقيا الرقمية والاقتصاد العالمي الجديد.


اليونيسف تشيد بتجربة مصر في تطوير اللغة العربية بالمدارس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *