هل تحاول “ديب سيك” تعزيز توغلها في أفريقيا؟ اليك التفاصيل
بينما تتنافس شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى في العالم على جذب الأنظار واستقطاب الاستثمارات الضخمة، يبدو أن شركة “ديب سيك” الصينية قد اختارت طريقًا مختلفًا وأكثر هدوءًا لتحقيق نفوذها العالمي. فبدلًا من السعي وراء الأسواق الغربية أو تمويلات المليارات، قررت الشركة أن توجه أنظارها إلى القارة الأفريقية، حيث تتشكل اليوم ملامح مستقبل الاقتصاد الرقمي في بيئة خصبة ولكن قليلة الموارد.
هذه الخطوة التي وصفتها وكالة بلومبيرغ بأنها “رهان استراتيجي طويل المدى”، تأتي في وقت تشهد فيه أفريقيا تسارعًا في تبني التقنيات الحديثة، رغم التحديات الاقتصادية والبنى التحتية المحدودة. فبينما تتجاهل العديد من الشركات الأميركية السوق الأفريقية باعتبارها غير مربحة، ترى “ديب سيك” في هذه القارة فرصة للهيمنة التقنية من الباب الخلفي.
نموذج عمل مختلف: التوسع عبر التعاون لا المنافسة
اعتمدت “ديب سيك” نهجًا مغايرًا لنظيراتها الغربية مثل “أوبن إيه آي” و”آنثروبيك”. فبدلًا من استهداف الشركات الكبرى أو الأسواق الغنية، توجهت نحو الشركات الناشئة الصغيرة في أفريقيا، وقدمت لها خدمات الذكاء الاصطناعي بأسعار منخفضة جدًا أو حتى مجانية في بعض الحالات.
هذا الأسلوب، الذي يذكّر بالممارسات الصينية في مجالات البنية التحتية، يعتمد على اختراق السوق أولًا، ثم بناء النفوذ تدريجيًا. وقد ساعدها على ذلك تعاونها العميق مع عملاق التكنولوجيا الصيني “هواوي”، التي تمتلك حضورًا واسعًا في معظم الدول الأفريقية، سواء عبر شبكات الاتصالات أو مراكز البيانات.
توضح تقارير “بلومبيرغ” أن شراكة “ديب سيك” مع “هواوي” منحتها نقطة دخول استراتيجية إلى القارة، حيث استخدمت الأخيرة نفوذها لتقديم نموذج “ديب سيك” إلى الشركات المحلية على أنه حل ذكي واقتصادي مثالي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
بوابة النفوذ عبر “هواوي”
في أحد الاجتماعات التي عُقدت بمقر شركة “قالا” (Qhala) في العاصمة الكينية نيروبي، قدّم هاريسون لي، كبير مهندسي الحلول في “هواوي كلاود”، عرضًا تفصيليًا أمام ممثلي عشرات الشركات الناشئة حول إمكانات “ديب سيك” وكيف يمكنها المساعدة في تطوير حلول الذكاء الاصطناعي المحلية.
ورغم أن لي يمثل “هواوي”، فإن الاجتماع كان في جوهره حملة تعريفية ضخمة لـ”ديب سيك”. عرض خلالها لي مقارنة واضحة بين قدرات المنصة الصينية ومثيلاتها الأميركية، مسلطًا الضوء على جانب التسعير المرن الذي يتيح خيارات متعددة بين المجاني والمدفوع، مع إمكانية إنشاء مراكز بيانات محلية داخل الهيئات الحكومية.
هذا العرض جذب انتباه العديد من الشركات الأفريقية، التي تعاني أصلًا من ارتفاع أسعار خدمات الذكاء الاصطناعي الغربية، حيث تصل تكاليف استخدام النماذج الكبرى مثل “كلود” و”جي بي تي” إلى أرقام لا تناسب ميزانيات الشركات الصغيرة.
شهادة من داخل القارة: التجربة الكينية
تعد مديرة شركة “قالا” الكينية، شيكوه جيتاو، واحدة من أبرز الأصوات التي أكدت على أهمية “ديب سيك” للسوق الأفريقية. فشركتها تعمل على تطوير روبوت دردشة ذكي لخدمة العملاء في الأسواق المحلية، وكانت قد تواصلت بالفعل مع عدة شركات غربية لتوفير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
لكنها اصطدمت بعقبة التمويل. فبينما تقدم الشركات الغربية تقنيات قوية، إلا أن أسعارها باهظة جدًا بالنسبة لشركة ناشئة في بيئة اقتصادية نامية. أما “ديب سيك”، فقدمت لها حلولًا عملية منخفضة التكلفة، إلى جانب دعم فني مباشر من فرق صينية وأفريقية تعمل بالتوازي.
تقول جيتاو إن “الذكاء الاصطناعي الغربي موجّه للأسواق الثرية، بينما الحلول الصينية تفهم احتياجات الأسواق الناشئة.” وهو تصريح يلخص جوهر الإستراتيجية الصينية في أفريقيا: تقديم التكنولوجيا كخدمة ميسّرة، مقابل الولاء طويل الأمد.
خلف الأرقام: سباق الهيمنة وليس الأرباح
تشير “بلومبيرغ” في تقريرها إلى أن الاقتصاد الرقمي في القارة الأفريقية لا يتجاوز 180 مليار دولار، أي أقل من نصف قيمة شركة “أوبن إيه آي” وحدها، التي بلغت في 2025 نحو 500 مليار دولار. ومع ذلك، تدرك “ديب سيك” أن الهدف الحقيقي ليس تحقيق أرباح فورية، بل بسط النفوذ التقني والمعرفي في منطقة يُتوقع أن تكون من أسرع الأسواق نموًا خلال العقد المقبل.
يرى أخيل بهاردواج، أستاذ الاقتصاد الرقمي في جامعة “باث” البريطانية، أن نجاح شركات الذكاء الاصطناعي لا يُقاس بعدد العقود أو الإيرادات قصيرة المدى، بل بمدى قدرتها على التحكم في تدفق البيانات والتأثير في أنظمة القرار الرقمي حول العالم.
ويضيف بهاردواج: “إذا تمكنت ديب سيك من أن تصبح المنصة الأساسية للذكاء الاصطناعي في أفريقيا، فإنها لن تحتاج إلى جني الأرباح فورًا — يكفيها أن تتحكم في السوق قبل الآخرين.”
بين “ديب سيك” و”الحزام والطريق”: تشابه في الإستراتيجية
يرسم التقرير تشابهًا واضحًا بين نموذج عمل “ديب سيك” وبين مبادرة “الحزام والطريق” الصينية التي أطلقتها بكين لتعزيز نفوذها الاقتصادي عبر بناء البنى التحتية في الدول النامية.
فكما قدّمت الصين الطرق والموانئ للدول مقابل النفوذ السياسي، تقدم اليوم “ديب سيك” البيانات والخوارزميات مقابل النفوذ التقني.
ويخشى بعض المراقبين من أن هذا الأسلوب قد يؤدي إلى اعتماد مفرط للدول الأفريقية على التكنولوجيا الصينية، تمامًا كما حدث في مشروعات البنية التحتية التي تركت العديد من الدول مثقلة بالديون. لكن في المقابل، يرى آخرون أن هذه الشراكات تمنح القارة فرصة حقيقية لبناء قدراتها الرقمية بسرعة غير مسبوقة.
ملامح المستقبل: أفريقيا كساحة الذكاء الاصطناعي الجديدة
في السنوات القادمة، يتوقع الخبراء أن تصبح أفريقيا الميدان القادم لصراع القوى التكنولوجية الكبرى. فبينما تركز الولايات المتحدة وأوروبا على حماية بياناتها وتشريعاتها، تتحرك الصين بخطوات حثيثة لتعزيز وجودها الرقمي عبر شركات مثل “ديب سيك” و”هواوي” و”بايدو”.
وتشير مؤشرات السوق إلى أن أكثر من 60% من سكان أفريقيا تحت سن الثلاثين، مما يجعلها القارة الأكثر حيوية من حيث المستخدمين الرقميين الجدد. هذه التركيبة الديموغرافية تمنح “ديب سيك” فرصة فريدة لتصبح بوابة الذكاء الاصطناعي للأجيال القادمة في أفريقيا.
لكن السؤال الأهم الذي يطرحه المراقبون هو: هل ستتمكن القارة من استخدام هذه الشراكات لتعزيز استقلالها التقني؟ أم ستجد نفسها مرة أخرى في موقع الاعتماد على القوى الخارجية لتشغيل منصاتها وخدماتها الرقمية؟
الخلاصة
خطوة “ديب سيك” نحو أفريقيا ليست مجرد توسع تجاري، بل استراتيجية ذكية لإعادة رسم خريطة الذكاء الاصطناعي العالمي. فبينما تتنافس الشركات الأميركية والأوروبية على الأرباح، تختار الصين طريق النفوذ عبر بناء الجسور الرقمية مع العالم النامي.
ربما لا تكون القارة الأفريقية اليوم السوق الأكبر، لكنها بلا شك السوق الأهم للمستقبل، ومن يزرع فيها اليوم بذور الذكاء الاصطناعي، سيكون غدًا هو المتحكم في مخرجاته.
وبهذا المعنى، فإن “ديب سيك” لا تبيع مجرد خدمات، بل تبني إمبراطورية رقمية صاعدة من قلب القارة السمراء.

