أخباراقتصاد

تراجع نفوذ مجموعة العشرين وصعود القوى الجديدة في النظام العالمي


قبل خمسة عشر عامًا، كانت مجموعة العشرين تُقدَّم بوصفها “لجنة إدارة العالم”، بعد أن نجحت في تنظيم استجابة منسّقة للأزمة المالية العالمية في 2008. آنذاك، جمع المنتدى بين الولايات المتّحدة والصين والهند والاتحاد الأوروبي، واستطاع خلق لحظة تعاون نادرة في تاريخ الاقتصاد العالمي.
لكن المشهد اليوم مختلف تمامًا. فالمجموعة التي تمثّل 85% من الناتج العالمي و75% من التجارة الدولية، وتضم أكبر الاقتصادات وأكثرها تأثيرًا، تبدو عاجزة عن إنتاج توافقات سياسية أو توجيه الاقتصاد العالمي نحو استقرار مستدام.

هذا المقال يشرح—بشكل معمّق وواضح—كيف تراجع نفوذ مجموعة العشرين، وما العوامل التي أوصلت المنتدى إلى هذا الوضع، ومن هي الكيانات والقوى الجديدة التي بدأت فعليًا بملء الفراغ، وكيف تتشكل ملامح نظام عالمي متعدد الأقطاب من دون “قائد واحد”.


أولًا: من منصة لصنع التوافق إلى ساحة لاستعراض الخلافات

خلال العقد الأول بعد الأزمة المالية، شكّلت مجموعة العشرين مظلة للتفاهم بين الاقتصادات الكبرى. ولكن، وفق مبادرة الحلول العالمية (Global Solutions Initiative)، فإن البيئة السياسية التي سمحت بتلك النجاحات “لم تعد موجودة”.

1. الاستقطاب الأميركي–الصيني

أصبح الصراع بين واشنطن وبكين أكبر عائق أمام صدور أي موقف مشترك. ففي السنوات الأخيرة:

  • تصاعدت النزاعات التجارية والتكنولوجية
  • تزايدت التعريفات الجمركية
  • تنافست القوى الكبرى على سلاسل الإمداد والتكنولوجيا المتقدمة
    هذا التوتر جعل الاتفاقات في القمم شبه مستحيلة.

2. الحرب في أوكرانيا وانقسام الغرب–روسيا

الحرب في أوكرانيا عمّقت الشرخ بين روسيا والغرب، ما أدى إلى غياب البيانات الختامية التقليدية في أكثر من قمة.
وبحسب تقارير معهد الدراسات الجيوسياسية الألماني (GIS)، فإن قمة نيودلهي 2023 مثلت نقطة تحول واضحة، حيث لم تنجح رئاسة الهند في صياغة موقف موحد بشأن الحرب، رغم الضغوط الكبيرة.

3. تحوّل القمم إلى منصات خطابية

بدلًا من صياغة قرارات قابلة للتطبيق، أصبحت القمم مناسبة لعرض المواقف الوطنية.
معهد كارنيغي يصف هذا الوضع بأنه “اختفاء الإرادة السياسية” لدى القادة، نتيجة تأثرهم بالسياسات الداخلية—انتخابات قريبة، صعود القومية، انقسامات مجتمعية—وهو ما يقيّد قدرتهم على المناورة.


ثانيًا: مشكلة بنيوية في تركيبة المجموعة

التنوع الكبير في الأعضاء، والذي كان ميزة في السابق، أصبح تحديًا مع تفاقم الخلافات.

1. نماذج اقتصادية متناقضة

وفق معهد كارنيغي للسلام الدولي:

  • الدول الغربية تفضّل اقتصاد السوق المفتوحة
  • الصين والهند وتركيا والبرازيل تميل إلى نماذج موجهة أو هجينة
    هذا يجعل الاتفاق حول التجارة والدعم الصناعي أمرًا شديد الصعوبة.

2. تضخم جدول الأعمال

يذكر معهد آيدوس الألماني أن ملفات المجموعة تضخمت بشدة:

  • المناخ
  • الرقمنة
  • الصحة
  • الأمن الغذائي
  • التجارة
    دون أن تتوسع آليات التنفيذ أو الرقابة.

3. فجوة بين الوعود والتنفيذ

صدرت خلال العقد الماضي عشرات الالتزامات، لكن نسبة صغيرة منها فقط نُفذت.
هذا الخلل أدى إلى تآكل الثقة في قدرة المجموعة على تحويل الخطاب إلى نتائج.


ثالثًا: التحديات الكبرى التي كشفت ضعف المجموعة

1. ملف المناخ

وفق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، تمثل دول G20 ثلاثة أرباع الانبعاثات العالمية.
ورغم التعهدات المتكررة بخفض الانبعاثات، تُظهر بيانات Energy Tracker Asia أن دول المجموعة أنفقت 3.3 تريليونات دولار دعمًا للوقود الأحفوري بين 2015 و2021—أي عكس أهداف المناخ تمامًا.

2. أزمة الديون

تقرير “عدم المساواة داخل مجموعة العشرين” (2025) يشير إلى أن مبادرة “الإطار المشترك” لتخفيف الديون حققت نتائج محدودة للغاية، رغم توسع أزمة الديون لتشمل أكثر من 50 دولة.

3. صعود الحمائية

منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تُظهر أن الإجراءات الحمائية ارتفعت خمسة أضعاف منذ 2020.
التجارة العالمية أصبحت أكثر قومية ومحلية، وسلاسل الإمداد أصبحت أكثر تقطيعًا.


رابعًا: القوى الجديدة التي تملأ الفراغ

تراجع نفوذ مجموعة العشرين لا يعني فراغًا، بل ظهور لاعبين جدد.

1. البريكس الموسّعة

وفق مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG)، فإن توسع البريكس في 2024—بانضمام مصر والإمارات وإثيوبيا وإيران—شكّل نقطة تحول في ميزان القوى.
كما يذكر معهد كلينغندال الهولندي أن البريكس أصبحت “قوة موازية” لمجموعة السبع في قضايا الطاقة والتجارة.

ملامح مشروع البريكس:

  • توسع التجارة بالعملات المحلية
  • شبكات تمويل بديلة
  • خطاب سياسي لصالح الجنوب العالمي
  • نماذج تنمية أقل ارتباطًا بالغرب

2. التحالفات المصغرة

منصة “SDG Action” تشير إلى أنّ التحالفات الصغيرة أصبحت أكثر فعالية من الهياكل الكبيرة، مثل:

  • نوادي الكربون
  • تحالفات التكنولوجيا
  • شراكات المعادن النادرة

هذه الأطر الصغيرة تتميز بالمرونة وسرعة الإنجاز.

3. المؤسسات العابرة للحدود

بحسب مبادرة الحلول العالمية، هناك صعود لافت لمؤسسات غير حكومية، وشبكات بحثية، وبنوك تنموية، تضع معايير تنظيمية مؤثرة بطريقة تتجاوز قدرة الحكومات.


خامسًا: ملامح نظام عالمي جديد

العالم اليوم يتحرك نحو نظام متعدد الأقطاب لا يمتلك مركز قيادة واحد.
وفق معهد كلينغندال ومعهد كارنيغي، يتشكل نظام عالمي يجمع بين اقتصادين:

1. اقتصاد غربي

يقوده الدولار، والشركات الغربية، والمعايير الليبرالية.

2. اقتصاد موازٍ

يقوده:

  • العملات المحلية
  • شبكات تجارة جديدة
  • معايير مختلفة للذكاء الاصطناعي والبيانات
  • تكتلات مثل البريكس

هذا التعدد يجعل من الصعب على أي جهة—بما فيها G20—فرض قواعد عالمية موحدة.

3. صعود قوى جديدة

هناك صعود واضح لنفوذ دول مثل:

  • الصين
  • الهند
  • السعودية
  • تركيا
  • البرازيل

هذه الدول أصبحت تمتلك أدوات تأثير اقتصادي وجيوسياسي لم تكن متاحة قبل 20 عامًا.


سادسًا: لماذا لا يمكن تجاهل مجموعة العشرين رغم كل ذلك؟

رغم التراجع، تظل مجموعة العشرين منصة اقتصادية محورية لعدة أسباب، بعضها مذكور في تقارير OECD وصندوق النقد:

  • تمثّل 85% من الناتج العالمي
  • تمثل 75% من التجارة الدولية
  • مسؤولة عن أغلب الانبعاثات
  • تسيطر على أكبر شبكات التمويل والديون
  • تمتلك تأثيرًا مباشرًا على الأسواق العالمية

المنتدى ليس بلا تأثير، لكنه يفتقد القدرة على القيادة السياسية.


سابعًا: مستقبل مجموعة العشرين

يرى خبراء مجموعة الفكر (T20) أن مستقبل المنتدى يعتمد على قدرته على:

  • التحول إلى منصة تفاوض حقيقي
  • تقليص جدول الأعمال
  • بناء آليات متابعة فعّالة
  • خلق مساحات حوار بين القوى الكبرى

إذا لم يحدث ذلك، فإن القواعد الجديدة التي تحكم النظام الدولي سيتم وضعها خارج إطار القمة.


تراجع دور مجموعة العشرين ليس حدثًا عابرًا، بل انعكاس لتحول بنيوي كبير في النظام العالمي.
الانقسامات الجيوسياسية، صعود القوى الجديدة، تناقض النماذج الاقتصادية، والتحالفات المصغرة؛ كلها عوامل أدت إلى مرحلة لم يعد فيها المنتدى قادراً على قيادة العالم كما كان في 2008.
وفي حين يزداد نفوذ البريكس والمؤسسات البديلة، يصبح مستقبل الحوكمة العالمية موزعًا بين مراكز قوة متعددة، في عالم لا يمتلك “قائدًا واحدًا”، بل منظومة تتشكل خارج قاعات مجموعة العشرين.


خريطة الدين العام في العالم العربي.. قائمة أكثر الدول العربية مديونية في 2024

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *