أخبار

اغتيال قادة الحوثيين في صنعاء ضربة إسرائيلية في اليمن


شهدت العاصمة اليمنية صنعاء حدثًا بالغ الأهمية يوم الإثنين، حيث خرجت حشود ضخمة في جنازة رسمية لاثني عشر قياديًا حوثيًا بارزًا، بينهم رئيس الوزراء أحمد غالب الرحوي، قُتلوا في ضربة جوية إسرائيلية غير مسبوقة. وقد مثّل هذا الهجوم أول عملية معلنة تستهدف القمة السياسية والعسكرية للحوثيين، ليشكّل نقطة تحول في مسار الصراع داخل اليمن وفي سياق الحرب الأوسع الممتدة عبر الشرق الأوسط منذ اندلاع المواجهة في غزة عام 2023.

الحادثة لم تكن مجرد اغتيال سياسي، بل رسالة عسكرية استخباراتية مركبة تعكس مدى تعقيد المشهد: من جهة، تكشف إسرائيل عن قدرتها على الوصول إلى “قلب صنعاء” والسيطرة على المجال الاستخباراتي. ومن جهة أخرى، تُظهر هشاشة البنية السياسية والعسكرية لجماعة الحوثي، رغم حضورها العسكري والإقليمي المتنامي.


تفاصيل العملية الإسرائيلية

وفقًا للبيان الصادر عن الجيش الإسرائيلي، فقد استهدفت الضربة الجوية اجتماعًا كان يُبث على الهواء مباشرة لمتابعة خطاب مسجّل لزعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي. الضربة أسفرت عن مقتل معظم أعضاء حكومة الحوثيين، وبينهم شخصيات رفيعة مثل رئيس الوزراء وعدد من الوزراء، بينما لا يزال الغموض يكتنف مصير وزير الدفاع محمد العاطفي، الذي يُعد القائد الفعلي لـ”مجموعة ألوية الصواريخ” التابعة للحوثيين.

هذا النوع من العمليات يُظهر التنسيق الوثيق بين الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وجهاز “الشاباك”، ويؤكد أن تل أبيب نجحت في اختراق المنظومة الأمنية للحوثيين، أو أنها اعتمدت على شبكة من “الجواسيس المحليين” كما اتهم محمد مفتاح – الرئيس الجديد لحكومة الحوثيين – خلال كلمة ألقاها في صلاة الجنازة داخل مسجد الصالح في صنعاء.


صدمة الحوثيين وردود الفعل الشعبية

الجنازة التي شارك فيها آلاف اليمنيين حملت طابعًا عاطفيًا وسياسيًا في آن واحد. ردد الحاضرون الشعار المعروف للحوثيين:
“الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام.”

هذا المشهد عكس مدى ارتباط الجماعة بخطابها التعبوي، لكنه كشف في الوقت ذاته عن عمق الجرح الذي أصاب الحركة بفقدانها نخبة سياسية كاملة بضربة واحدة. فقد كانت حكومة الحوثيين، رغم محدودية سلطتها الفعلية، تمثل “واجهة سياسية” تمنح الجماعة شرعية أمام الداخل والخارج.

محمد مفتاح، الذي عُيّن رئيسًا للحكومة بعد اغتيال سلفه، تعهد بالانتقام، معتبرًا أن الهجوم الإسرائيلي لم يستهدف أفرادًا بقدر ما استهدف “المشروع الحوثي” نفسه. كما أعلن عن حملة “تطهير أمني” واسعة ضد المتعاونين والجواسيس داخل اليمن، في إشارة واضحة إلى حالة الريبة والانكشاف التي تعيشها الجماعة بعد العملية.


الرسائل الإسرائيلية من العملية

الضربة الإسرائيلية لم تكن حدثًا معزولًا، بل تحمل رسائل متعددة:

  1. إسرائيل تؤكد تفوقها الاستخباراتي: نجاحها في تحديد موقع اجتماع سري على هذا المستوى، وتنفيذه بدقة، يوجّه ضربة معنوية للحوثيين ولإيران الداعمة لهم.
  2. توسيع جبهة الحرب: العملية تمثل امتدادًا للصراع مع إيران وأذرعها في المنطقة، خاصة بعد سلسلة هجمات الحوثيين على الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر.
  3. رسالة ردع لإيران وحلفائها: مفادها أن تل أبيب لن تتردد في توسيع نطاق المواجهة ليشمل العمق اليمني إذا استمرت الهجمات على السفن التجارية الإسرائيلية أو المرتبطة بها.
  4. اختبار للولايات المتحدة: إذ تزامنت الضربة مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (في ولايته الثانية) الذي كان قد أعلن وقف قصف الحوثيين في مايو 2025 بعد اتفاق مؤقت.

الحوثيون كشوكة في خاصرة إسرائيل

منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، برز الحوثيون كأحد أبرز اللاعبين الإقليميين المناوئين لإسرائيل. فقد كثفوا هجماتهم على السفن التجارية في البحر الأحمر، مبررين ذلك بأنه “عمل تضامني مع الشعب الفلسطيني”. ورغم أن هذه الهجمات لم تغير جذريًا موازين القوى في الحرب، إلا أنها أربكت حركة الملاحة الدولية ودفعت شركات شحن كبرى إلى تغيير مساراتها.

هذا الدور جعل الحوثيين يتحولون من قوة محلية متمركزة في شمال اليمن إلى لاعب إقليمي يفرض نفسه في معادلات الأمن البحري والطاقة العالمية. ومن هنا، فإن استهداف قادتهم يعكس محاولة إسرائيل لكبح جماح نفوذهم وإرسال رسالة مفادها أن ثمن هذه “المغامرات البحرية” سيكون باهظًا.


التداعيات على الداخل اليمني

اغتيال هذا العدد الكبير من القيادات في وقت واحد يطرح أسئلة كبرى حول مستقبل السلطة الحوثية:

  • فراغ سياسي: غياب معظم الوزراء سيُضعف البنية المؤسسية للحكومة الحوثية، حتى لو كانت سلطتها الفعلية محدودة أمام سلطة المجلس السياسي الأعلى والقيادة العسكرية.
  • تصعيد أمني داخلي: حملة “مكافحة الجواسيس” التي أعلن عنها محمد مفتاح قد تؤدي إلى اعتقالات واسعة في صفوف العاملين بالمنظمات الدولية، كما ظهر في حادثة اقتحام مكاتب الأمم المتحدة واعتقال 11 موظفًا.
  • تعزيز القبضة العسكرية: من المتوقع أن ينتقل الحوثيون إلى مرحلة أكثر عسكرية، مع هيمنة قيادات الحرس الثوري الإيراني أو حلفائهم المحليين على القرار، على حساب أي واجهة مدنية أو سياسية.

التداعيات الإقليمية والدولية

  1. العلاقة مع إيران: هذه الضربة تُحرج إيران التي تقدم نفسها كحامية لمحور المقاومة. إذ فشلها في حماية أهم حلفائها باليمن قد يدفعها إلى زيادة الدعم العسكري للحوثيين، خصوصًا في مجال الدفاع الجوي.
  2. أمن البحر الأحمر: استمرار الحوثيين في استهداف السفن، كما حدث مع الصاروخ الموجه نحو الناقلة “Scarlet Ray”، سيجعل المنطقة أكثر قابلية للاشتعال، خصوصًا أن الممر يعد شريانًا استراتيجيًا للتجارة العالمية.
  3. الموقف الأمريكي: إدارة ترامب الثانية قد تجد نفسها مضطرة لإعادة النظر في قرار وقف الضربات على الحوثيين، خاصة إذا تصاعدت الهجمات البحرية أو الصاروخية ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
  4. المشهد العربي: دول الخليج، وخاصة السعودية، قد تجد في العملية فرصة لتقليص نفوذ الحوثيين الذين يمثلون تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

السيناريوهات المحتملة بعد العملية

  1. انتقام حوثي مباشر: قد تشهد إسرائيل أو الملاحة المرتبطة بها في البحر الأحمر عمليات انتقامية واسعة النطاق، ربما باستخدام صواريخ بالستية أو طائرات مسيرة بعيدة المدى.
  2. تصعيد إقليمي: من الممكن أن يتسع نطاق الصراع ليشمل جبهات أخرى، مثل لبنان أو سوريا، حيث يتواجد حلفاء إيران.
  3. تغيير قيادي داخلي: قد يستغل عبد الملك الحوثي هذه اللحظة لإعادة تشكيل قيادة الحركة وإحكام قبضته على القرار بعد تصفية خصوم محتملين.
  4. وساطات دولية: الأمم المتحدة قد تتحرك لاحتواء الموقف بعد اعتقال موظفيها، ما قد يفتح بابًا لمفاوضات جديدة، لكن في ظل أجواء أكثر توترًا.

إن اغتيال قادة الحوثيين في صنعاء ليس مجرد عملية عسكرية عابرة، بل حدث استراتيجي يعكس حجم التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط منذ اندلاع حرب غزة. فالمنطقة باتت ساحة مترابطة، حيث تمتد خطوط المواجهة من غزة إلى صنعاء، مرورًا ببيروت ودمشق وطهران.

إسرائيل، عبر هذه الضربة، وجهت رسالة بأنها قادرة على ضرب خصومها أينما كانوا، لكنها في المقابل تفتح الباب أمام تصعيد غير مسبوق قد يهدد الأمن البحري والإقليمي برمته. أما الحوثيون، فقد خسروا واجهة سياسية مهمة، لكن خطابهم التعبوي وقدرتهم على استثمار مشاعر الغضب الشعبي قد تمنحهم قدرة على الصمود والمناورة.

المرحلة المقبلة ستشهد بلا شك إعادة تشكيل للمشهد اليمني والإقليمي، حيث سيظل البحر الأحمر واليمن جزءًا لا يتجزأ من معادلة الصراع الكبرى بين إسرائيل وإيران ومحورها.


جيش الاحتلال يزعم اغتيال «أبو عبيدة» المتحدث باسم كتائب القسام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *