أخبار

لماذا يبتعد مودي عن ترامب ويقترب من بكين وموسكو؟


شهدت الساحة الدولية خلال العقود الأخيرة تحولات كبرى أعادت تشكيل موازين القوى العالمية. ومع صعود الصين كقوة اقتصادية، وعودة روسيا إلى المسرح الدولي كلاعب مؤثر رغم العقوبات الغربية، وجنوح الولايات المتحدة نحو سياسات أكثر انكفاءً وانعزالية تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، وجدت الهند نفسها أمام لحظة فارقة.
فبعد عقود من التقارب التدريجي مع واشنطن، يتجه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إعادة التموضع من جديد، مقلبًا الطاولة على معادلات ظنّ كثيرون أنها استقرت. زيارة مودي الأخيرة إلى الصين، ولقاؤه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حملت إشارات واضحة إلى أن نيودلهي لا تريد أن تبقى أسيرة لعبة القطبية الأحادية الأميركية، ولا أن تتحمل كلفة الانحياز في صراع العمالقة.


أولًا: جذور العلاقات الهندية – الروسية

الهند وروسيا ليستا مجرد شريكتين عاديتين، بل تجمعهما علاقة تاريخية تعود إلى الحرب الباردة. حين انحازت باكستان إلى الولايات المتحدة، وجدت الهند في الاتحاد السوفياتي سندًا سياسيًا وعسكريًا.

  • التعاون العسكري: موسكو كانت، ولا تزال، المورّد الأكبر للأسلحة إلى نيودلهي. ما يفوق 60% من عتاد الجيش الهندي صناعة روسية.
  • المواقف السياسية: لطالما دعمت موسكو الهند في نزاعاتها مع باكستان، بما في ذلك حرب كشمير.
  • الاقتصاد والطاقة: مع الحرب الأوكرانية وتزايد العقوبات على روسيا، تحولت الهند إلى مشترٍ رئيسي للنفط الروسي بأسعار مخفضة، ما منحها متنفسًا اقتصاديًا في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.

هذا الإرث الثقيل جعل الهند ترفض الانصياع الكامل للضغوط الأميركية، خصوصًا حين يطلب منها البيت الأبيض الانفصال عن موسكو في الملفات الحساسة.


ثانيًا: الصين.. العدو التاريخي الذي يصبح شريكًا ضروريًا

رغم أن الصين والهند بينهما أطول حدود غير مرسمة بوضوح، ورغم المواجهات العسكرية المحدودة عند جبال الهيمالايا عام 2020، فإن الحقائق الجيوسياسية تدفع البلدين إلى إعادة التفكير.

  • الاقتصاد أولًا: الصين أكبر شريك تجاري للهند. حجم التبادل تجاوز 100 مليار دولار سنويًا.
  • منظمة شانغهاي للتعاون: العضوية الكاملة للهند منذ 2017 أتاحتها بوصفها لاعبًا إقليميًا في مواجهة النفوذ الغربي.
  • التحدي الأميركي: مع تصاعد التوتر بين بكين وواشنطن، وجدت نيودلهي نفسها أقرب إلى استغلال هذا التنافس لتعزيز موقعها، بدلًا من الارتهان لمحور واحد.

زيارة مودي إلى تيانجين ليست مجرد دبلوماسية تقليدية، بل إعلان عن استعداد الهند لفتح صفحة جديدة مع جارتها العملاقة رغم الجراح القديمة.


ثالثًا: ترامب والهند.. من الشراكة إلى الجمارك

إدارة ترامب تمثل نقطة انعطاف في مسار العلاقات الأميركية – الهندية:

  1. التعريفات الجمركية: رفع ترامب الجمارك على الصادرات الهندية بنسبة تصل إلى 50%، ما اعتُبر ضربة قاسية لاقتصاد يعتمد على السوق الأميركية.
  2. عقوبات النفط الروسي: في حين منحت إدارة بايدن استثناءً للهند من عقوبات “كاتسا” عام 2022، فإن ترامب رفض الاستمرار بهذا النهج، معتبرًا أن استيراد نيودلهي للنفط الروسي يهدد المصالح الأميركية.
  3. تجاهل الحلفاء: بينما تواصل واشنطن الحوار المباشر مع موسكو وبكين، فإنها تُهمل مخاوف شركائها الأصغر، ومن بينهم الهند، التي وجدت نفسها خارج دائرة القرارات الكبرى.

النتيجة: مودي لم يعد يرى في واشنطن شريكًا موثوقًا يمكنه أن يراهن عليه دون بدائل.


رابعًا: خيارات الهند الإستراتيجية

الهند تقف اليوم أمام 3 خيارات كبرى:

  • الخيار الأميركي: الاستمرار في لعب دور “الحليف الأصغر” لواشنطن في مواجهة الصين. لكن هذا المسار يضع الهند في مواجهة مباشرة مع بكين ويجعلها رهينة للقرارات الأميركية المتقلبة.
  • الخيار الروسي – الصيني: العودة إلى محور الشرق، مستفيدة من مبادرات مثل “البريكس” ومنظمة شانغهاي، ما يمنحها مساحة أوسع للتنفس الاقتصادي والسياسي.
  • الخيار الثالث (المستقل): محاولة التوفيق بين الجميع، مستغلة سياسة “التعددية القطبية” لتحقيق أكبر قدر من المكاسب مع الحفاظ على استقلال القرار.

مودي يميل حاليًا إلى الخيار الثالث، لكنه يقترب أكثر من موسكو وبكين نتيجة تصاعد الضغوط الأميركية.


خامسًا: انعكاسات هذا التحول

  1. على واشنطن: خسارة الهند – ثاني أكبر ديمقراطية في العالم – كحليف موثوق ستضعف شبكة التحالفات الأميركية في آسيا.
  2. على بكين: تقاربها مع نيودلهي قد يقلل من التوترات الحدودية، ويفتح سوقًا هائلًا أمام الاقتصاد الصيني.
  3. على موسكو: دعم هندي علني أو حتى حيادي سيخفف من وطأة العزلة الغربية.
  4. على المنطقة: دول جنوب آسيا ستعيد حساباتها بين المحاور الكبرى. باكستان مثلًا قد تجد نفسها في وضع أكثر تعقيدًا إذا ما توثقت علاقة الهند بالصين.

سادسًا: ما وراء الاقتصاد.. البعد الأيديولوجي

الهند في عهد مودي تسعى لإحياء صورة “الهند القوية والمستقلة”.

  • القومية الهندوسية التي يروّج لها الحزب الحاكم (بهاراتيا جاناتا) تتناغم مع خطاب الاستقلال عن الهيمنة الغربية.
  • الرأي العام في الهند يرى أن واشنطن لم تحترم مكانة بلادهم العالمية، بل تعاملت معها كأداة لمواجهة الصين.
  • من هنا، فإن الخطوة نحو موسكو وبكين ليست فقط حسابات اقتصادية، بل جزء من سردية سياسية داخلية.

خاتمة: الهند تعود إلى لعبتها القديمة

الهند اليوم لا تدير ظهرها لواشنطن بالكامل، لكنها تذكّر الجميع بأنها ليست مجرد تابع. من موسكو إلى بكين مرورًا بطوكيو وطهران، تتحرك نيودلهي لتعيد رسم خريطتها وفق مصالحها الوطنية بعيدًا عن إملاءات الكبار.

لقد ولّى زمن الاصطفاف الأعمى في المعسكر الأميركي. وإذا استمرت إدارة ترامب في سياسة الضغط والابتزاز الاقتصادي، فإنها قد تجد نفسها تخسر أهم أوراقها في آسيا، تاركة الساحة مفتوحة أمام تحالف روسي – صيني – هندي قد يغير ملامح القرن الحادي والعشرين.


اغتيال قادة الحوثيين في صنعاء ضربة إسرائيلية في اليمن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *